نباح سعيد

WT Writer
Feb 24, 2019
بريدجت هاريسون تمسك اللجام وتنطلق في رحلة عائلية للتزلج مع الكلاب في شمال النرويج

شقيقتي جاثية في الثلج والدموع تنهمر على خديها. وقد ارتمى نيوس برأسه الأسود والأصفر بين ذراعيها. ينظر إليها بعينين حائرتين لونهما لون العسل، ويهز ذيله.

همست: “أنت صديقي الجديد، أليس كذلك يا صبي،” فما فتئ أن لعق وجهها بلسانه العريض.

يقول ولدي أليكس: “أعتقد أن نويس يعلم أنك حزينة”.

تنهّدت أختي قائلة: “لست حزينة”. “أنا في قمة السعادة”.

إنه صباح يومنا الأول في منزل تراستي وتراين الممتد على مساحة فدانين في Finnmark، في شمال شرق النرويج، وما زلنا في ساحة الكلاب منذ أن وصلنا هنا قبل ساعة. كانت درجة الحرارة 5 تحت الصفر، وكان الثلج سميكًا على الأرض، وكانت شمس فبراير الباهتة تطلّ بخجلٍ فوق الأفق، ولكننا كنا نلاحظ بالكاد برودة الطقس.

لدينا 60 كلب هسكي ألاسكي لنتعرّف عليها. ولكل كلبٍ مربى خشبي يحمل اسمه. كان بعضها مستلقيًا في الثلج، والبعض الآخر قائمًا في كوخه وأنفه يبرز إلى الخارج فقط. وكانت كلاب أخرى تقف بشموخ على أسطح مرابيها. شققنا طريقنا بينها ونحن نربّت على هذا ونمسح رأس هذا ونصافح ناب هذا. كروكس، باكون، بيسو، إسما، نيوس. كل منا وجد ما يروق له. وآمل أن تجد شقيقتي ما يروق لها أيضًا.

SB_20170827_01237

يستمتع‭ ‬الضيوف‭ ‬بشمس‭ ‬الشتاء

فمنذ ستة أشهر، توفي ويلو، كلبها المحبّب، بمرض السرطان. وفي اليوم الذي أتى فيه الطبيب البيطري ليدفن ويلو، قطعت عهدًا على نفسي أن نذهب في عطلة مخصصة للكلاب فقط، على الرغم من معرفتي حينها أن جرح أختي سيستغرق وقتًا كي يندمل.

كانت مشاعلنا تومض وسط الأجواء الليلية الفضية، بينما كانت النجوم تطوّقنا وكأنها مصابيح كهربائية

سبق لي أن جرّبت التزلّج مع كلاب الهسكي، ولكن ذلك دام ساعتين فقط، وكانت تلك الرحلة (كالمعتاد) مجرد حدثٍ واحدٍ من بين قائمةٍ من الأنشطة التي تُمارَس على الثلج. وقد وجدت أن التجربة تلك لم تكن شخصية إلى حدّ ما مع الكلاب. وحين وصلنا إلى المزلجة، وجدنا الكلاب قد رُبطت وكانت على أهبة الاستعداد للانطلاق.

تقدّم منطقة Trasti & Trine الواقعة خارج مدينة ألتا الساحلية الصغيرة في منطقة نائية من الجبال ذات القمم المسطحة والغابات الثلجية لزوارها شيئًا فريدًا: وهو فرصة المكوث في منزل والتعرّف على مجموعة من الحيوانات الأليفة وقوية البنية وإطعامها وقيادتها. تدير المنزلَ تراين ليريك، وهي متزلجة دمثة الأخلاق ومحبّة لهوايتها، وهي ممن أكملوا سباق إيديتارود الأسطوري لكلاب الهسكي والذي تبلغ مسافته ألف ميل.

وبالإضافة إلى تقديم سلسلة من مغامرات التزلّج، فإن ناء بيتها ميدان نشط للسباقات. جميع كلاب الهسكي هنا رياضية، ولكن تراين ترّيها لتكون ودودة مع الغرباء وذلك بدءًا من ولادتها في الصيف، ويحجز الزوار دورهم للتمشّي معها.

SB_20170827_00942

طريق‭ ‬المحاط‭ ‬بالأشجار‭ ‬والمؤدي‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬تراستي‭ ‬وتراين

يبادر الكلابُ الزوارَ بترحيب كبير يجعل من الصعب عليك النأي عنها، إلا إذا دعاك أحدهم إلى تناول طبقٍ من حساء الرّنة اللذيذ. كان الحساء بانتظارنا في كوخٍ ريفي دافئٍ وبسيط. وهذا هو ركن جون تراسي، زوج تراين. عمل جون طاهيًا لرئيس وزراء النرويج (وطبخ أيضًا للرئيس بوتين)، وهو يدير الآن مطعمًا حائزًا على نجمتين وفرنًا لتدخين اللحم وإعداد الخبز في المنزل.

يعتمد جون في أطباقه بالكامل على مكونات عضوية محلية: حيث يأتي بأسماك السلمون البرية وأسماك الكراكي والفحم من نهر ألتا القريب، ويجلب الرنّة والظباء من الجبل، ويقطف العليق والكلود بيري من أهوار سرية، ويصطاد سرطان البحر الملك والاسكالوب وسمك القد من بحر بارنتس القريب. يتقاطر الناس من جميع أنحاء النرويج للاستمتاع بقوائم طعامه لذيذ المذاق والمتنوعة بحسب المواسم وليحضروا دروس الطهي لديه. وسرعان ما شعرنا بالدفء ونحن نتناول قطعًا من الخبز المصنوع في المنزل والمنكه بعصير البتولا والمغمس في مرقٍ غنيّ مدخّن. ثم شربنا عصيرًا لذيذًا من الكلاود بيري.

وفي هذا الوقت هبط الظلام وحان وقد رحلة تزلّجنا الأولى. وهناك في الساحة، وبعد أن ارتدينا ملابس الثلج شديدة التحمل، أُعطينا أسماء كلاب الهسكي التي سنقودها. كانت الكلاب تنبح وتتقافز ولدى كل منها حماس شديد كي يقع عليه الاختيار. ولم يكن ذلك الحماس يختلف شيئًا عن حماس ولديّ البالغين سبعة وعشرة أعوام حين علما أني جلبت لهما مزلاجين يجرّهما كلباهما كروكس وسليبر.

سحبت شقيقتي أربعة كلاب إلى مزلجتها وأخذت أنا وزوجي أربعة أخرى مشتعلة بالحماس مزلجتنا. كانت تراين هي من ستقودنا على مزلجتها. بعد ذلك أضيئت المشاعل وتحركنا في سلسلة خارج المنزل.

SB_20170829_9922

داخل‭ ‬غرفة‭ ‬النوم‭ ‬الخشبية‭

أخذنا نتسارع ونحن نهبط على مسارات الغابة الثلجية، إلا أن بلغنا النهر المتجمد بمساحاته الشاسعة البيضاء. كانت مشاعلنا تومض وسط الأجواء الليلية الفضية، بينما كانت النجوم تطوّقنا وكأنها مصابيح كهربائية. كان الصمت مخيّمًا على الأجواء الليلية وسط البريّة. ومع تقدّم الكلاب، لم نكن نسمع سوى صوت احتكاك المزلجات مع الثلج وهتافات الأولاد أمامنا حين يقطعون منعطفًا أو يقفزون فوق حاجز.

درجة الحرارة الآن ناقصًا 10  درجات مئوية، ولذلك قرّرت تراين أن يقتصر زمن الرحلة على أقل من ساعتين، وحالما أصاب أصابع أرجلنا الخَدَر، عدنا إلى المنزل لنشرب عصيرًا ساخنًا من الكشمش الأسود بجانب النار في الخارج.  اختتمنا اليوم بتناول وجبة من سمك القد والسكالوب، تلتها شرائح من لحم الرنة وكعك العليق.

ينام الضيوف في غرفٍ فوق المطعم، أو بإمكانهم المكوث في جناحٍ أنيق فيه ثلاث غرف نوم وغرفة جلوس فيها موقد للحطب، وهذا ما فعلنا. كان البناء بسيطًا، وجدرانه مبنية من خشب الصنوبر ولها نوافذ كبيرة. أما أختي، فقد هتفت فرحًا لأن غرفتها تطلّ على ساحة الكلاب. ثم خَلَدت إلى النوم وهي تستمع بسعادة إلى كلاب الهسكي وهي تتحلّق حول مربّيتها لتأدية تحية ما قبل النوم كي لا تلبث تراين وتُسكتها. وفي الصباح التالي، وجدتها عند النافذة مع أليكسي يشاهدان الكلاب وهي تتلقّف وجبة فطورها من قطع السمك المثلّج الكبيرة.

كان إفطارنا عبارة عن بوفيه من الأكلات المحلية الفاخرة: شرائح سمك السلمون البري المدخن في المنزل ولحم الضأن المملح ولسان الرنة والتوت والفطر البري والبيض المخفوق ، إلى جانب الخبز محلي الصنع والمربى والزبدة ومياه الكفير.

كان لدينا حجز لرحلة تزلّج طوال اليوم، واقترحت تراين أن نطوف بالقرب من النهر المتجمد – على طول مسارات الغابة والجبال – لكي نبقى بجوار المنزل تحسّبًا لإصابة الولدين بالبرد أو الضجر. لم يكن عليها أن تقلق: فقد كانا في غاية الحماس لقيادة مزلجتيهما، وكانا متشوقين للمشاركة في سباق إيديتارود.

الأضواء الشمالية تمتد فوق منزل تراستي وتراين وكأنها تنشأ من العدم

SD_20150910_2250725

الشفق‭ ‬القطبي‭ ‬فوق‭ ‬منزل‭ ‬تراستي‭ ‬وتراين

وفي وقت الغداء، خيّمنا في ركنٍ مقطوع الأشجار قرب مسارٍ جبليٍ خشبيٍ مرتفع، حيث كانت خيوط الشمس الأخيرة تداعبنا بأنوارها الذهبية. فردنا جلد الرنة على الأرض وأخذ الصبيان يساعدان تراين في إيقاد شعلة من النار. أعطت كلاً منهما سكينًا ليصنعا عيدانًا من الخشب لشواء النقانق. ثم شربنا حساء الرنّة وحمّصنا خبز تراستي على اللهب. غابت شقيقتي لبعض الوقت، حيث عثرنا عليها تتسكّع مع الكلاب على الطريق. ومجددًا، كان نيوس واضعًا رأسه في حضنها. وكان هناك خنزير يحك أنفه بأذنها.

وفي طريق العودة أصابنا حادث بسيط. حيث انزلقت شقيقتي عن المزلجة أثناء هبوطنا الضفة نحو النهر المتجمد. لم تصب بأذى، سوى قليل من التوتر، وذلك لأن الكلاب اندفعت وهي تجرّ المزلجة الخالية قبل أم يتسنى لتراين إيقافها. طمأنتنا تراين أن الكلاب تعرف الطريق إلى المنزل ثم أجلست شقيقتي في مزلجتها. وبعد قليل، وأثناء صعودنا المسار، رأينا كلاب الهاسكي الشاردة تدور فوق الثلج بانتظارنا، ثم أخذت تلهث بسرورٍ مع اقترابنا منها، وكأن الأمر كله كان مجرّد مزحة متقنة.

وفي تلك الليلة، وحين فرغنا من تناول عشائنا الأخير اللذيذ وكنا لا نزال نتندّر على ما فعلت الكلاب، كنت أشك أن يكون هناك شيء سيجعل الرحلة أفضل من ذلك. وبعدها، وبينما كنا نشق طريقنا في الثلج إلى حجرتنا، اشتعلت السماء بأنوار خضراء اللون. لقد كانت تلك أضواء الشفق القطبي، وكأنها نشأت من العدم لتزين السماء بخيوطها المتعرجة. وبينما كنا نمعن النظر إلى هذا المنظر الخلاب، اجتمعت الكلاب من جديد لتودعنا بطريقتها، وحينها انهمرت الدموع على وجنتيّ ووجنتي أختي.

أتفكر في السفر؟ للحجز في رحلة، يُرجى الاتصال بالرقم 6666 316 4 971+ أو زيارة الموقع visit dnatatravel.com