استمتع بالاسترخاء

WT Writer
Dec 26, 2019
يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الشتاء‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬قاسيًا،‭ ‬ولكن‭ ‬بفضل‭ ‬حمامات‭ ‬الأونسن‭ ‬الحارة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وأوعية‭ ‬المعكرونة‭ ‬الساخنة‭ ‬غير‭ ‬المنقطعة‭ ‬والمطاعم‭ ‬الدافئة،‭ ‬فإن‭ ‬الصقيع‭ ‬يوفر‭ ‬أيضًا‭ ‬فرصة‭ ‬مثالية‭ ‬للاسترخاء‭. ‬أليشيا‭ ‬ميلر‭ ‬تستكشف‭ ‬وتصف‭ ‬المشهد‭ ‬الثلجي

لا‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أشعر‭ ‬بأصابع‭ ‬قدمي‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬أفكر‭ ‬فيه‭ ‬بينما‭ ‬أسير‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬الضيق‭ ‬الجليدي‭ ‬المحاط‭ ‬بأشجار‭ ‬الصنوبر‭ ‬الطويلة‭ ‬والإبر‭ ‬المحملة‭ ‬بالثلج‭ ‬على‭ ‬منحدرات‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬شديدة‭ ‬البرودة‭. ‬فجأة‭ – ‬أخيرًا‭ – ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬وجهتي‭: ‬جيغوكواندي،‭ ‬أو‭ ‬وادي‭ ‬الجحيم‭. ‬وهو‭ ‬اسمٌ‭ ‬على‭ ‬مسمى‭. ‬وسط‭ ‬الكثبان‭ ‬البيضاء‭ ‬الناعمة‭ ‬التي‭ ‬تغطى‭ ‬هذه‭ ‬الغابة‭ ‬المتجمدة،‭ ‬تموجت‭ ‬الجداول‭ ‬الساخنة‭ ‬بينما‭ ‬تتحول‭ ‬المسابح‭ ‬الزجاجية‭ ‬وتجري‭ ‬المياه‭ ‬العذبة‭ ‬لتنظف‭ ‬الصخور‭ ‬الملساء‭. ‬لقد‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬أونسن،‭ ‬وهو‭ ‬نبع‭ ‬ياباني‭ ‬حار‭. ‬إنه‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬أميال‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ – ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سرًا‭. ‬فقبل‭ ‬وصولي،‭ ‬كان‭ ‬المكان‭ ‬يعج‭ ‬بالأجسام‭ ‬حيث‭ ‬يدخلون‭ ‬ويخرجون‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬ويلتصقون‭ ‬ويحركون‭ ‬شعورهم‭ ‬ويفركون‭ ‬وجوههم‭ ‬لتكتسي‭ ‬بحمرة‭ ‬خفيفة‭. ‬يتلاشى‭ ‬الضوء‭ ‬بينما‭ ‬أشعر‭ ‬بالخدر‭ ‬من‭ ‬رأسي‭ ‬وحتى‭ ‬أخمص‭ ‬قدميّ‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬أجمل‭ ‬من‭ ‬الانضمام‭ ‬إليهم‭ ‬في‭ ‬حمامات‭ ‬البخار‭. ‬لكن‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الصحيح‭ ‬أن‭ ‬أستحم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النبع‭. ‬لأنني‭ ‬لست‭ ‬قرد‭ ‬ثلوج‭. ‬

فقرود‭ ‬الثلج‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬فقط،‭ ‬أو‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬تحديدًا،‭ ‬هي‭ ‬مشهد‭ ‬الشتاء‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬اليابان‭. ‬وهي‭ ‬تُعرف‭ ‬رسميًا‭ ‬باسم‭ ‬قرود‭ ‬المكاك‭ ‬اليابانية،‭ ‬وقد‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬قرود‭ ‬الثلج‭ ‬لأنه‭ ‬عندما‭ ‬يغطي‭ ‬الثلج‭ ‬الأرض‭ ‬فإنها‭ ‬تنحدر‭ ‬بأعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬موائلها‭ ‬الجبلية‭ ‬النائية‭ ‬لتغطس‭ ‬في‭ ‬الينابيع‭ ‬الحارة،‭ ‬وأشهرها‭ ‬في‭ ‬جيغوكوداني،‭ ‬وهي‭ ‬محمية‭ ‬مخصصة‭ ‬لها‭ ‬خارج‭ ‬ناغانو‭. ‬إذا‭ ‬حالفك‭ ‬الحظ‭ ‬فقد‭ ‬تكتشف‭ ‬مجموعة‭ ‬في‭ ‬الربيع‭ ‬أو‭ ‬الخريف،‭ ‬لكنها‭ ‬تأتي‭ ‬وحدها‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الجو‭ ‬مكسوًا‭ ‬بالصقيع‭. ‬حيث‭ ‬تنتشر‭ ‬الأوعية‭ ‬الدافئة‭ ‬من‭ ‬حساء‭ ‬الرامين‭ ‬وبلدات‭ ‬جبال‭ ‬الألب‭ ‬الجميلة،‭ ‬وبالطبع‭ ‬ينابيع‭ ‬أونسين‭ ‬نفسها،‭ ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬يتدفق‭ ‬معظم‭ ‬المسافرين‭ ‬إلى‭ ‬اليابان‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬أزهار‭ ‬الكرز‭ ‬الربيعية،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭ ‬أو‭ ‬لرؤية‭ ‬أوراق‭ ‬الخريف‭ ‬تتحول‭ – ‬فإنهم‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يفقدونه،‭ ‬فمن‭ ‬ديسمبر‭ ‬حتى‭ ‬مارس‭ ‬هو‭ ‬الوقت‭ ‬الأكثر‭ ‬هدوءًا‭ ‬والأرخص‭ ‬للزيارة،‭ ‬لكن‭ ‬الشتاء‭ ‬هنا‭ ‬لديه‭ ‬الكثير‭ ‬ليقدمه‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كل‭ ‬هذا‭. ‬فهذا‭ ‬هو‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتلاشى‭ ‬فيه‭ ‬السحب‭ ‬الكثيفة‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بجبل‭ ‬فوجي‭ ‬أخيرًا‭ ‬لتكشف‭ ‬عن‭ ‬الغطاء‭ ‬الثلجي‭ ‬السينمائي‭ ‬مقابل‭ ‬سماء‭ ‬زرقاء‭ ‬صافية‭. ‬عندها‭ ‬يتجمّع‭ ‬سكان‭ ‬طوكيو‭ ‬في‭ ‬حانات‭ ‬مدخنة‭ ‬ضيقة،‭ ‬ويهزون‭ ‬أقدامهم‭ ‬ويتناولون‭ ‬حساء‭ ‬السمك‭ ‬الساخن‭ ‬الغنيّ‭ ‬بالزيت‭ ‬ليتغلبوا‭ ‬على‭ ‬الأمسيات‭ ‬الرطبة‭. ‬وهو‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬ترتفع‭ ‬فيه‭ ‬قمم‭ ‬الثلج‭ ‬الكثيفة‭ ‬الناعمة‭ ‬في‭ ‬أعالي‭ ‬قمم‭ ‬جبال‭ ‬الألب‭ ‬اليابانية‭ ‬الصاخبة،‭ ‬التي‭ ‬تبعد‭ ‬بضع‭ ‬ساعات‭ ‬عن‭ ‬الشمال‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬العاصمة،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬هوكايدو،‭ ‬وهي‭ ‬الجزيرة‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬شمال‭ ‬اليابان،‭ ‬لتجلب‭ ‬الهدوء‭ ‬والسكون‭ ‬للأرجاء‭. ‬وتحت‭ ‬حجاب‭ ‬اللون‭ ‬الأبيض،‭ ‬تحقق‭ ‬المناظر‭ ‬الطبيعية‭ ‬كمال‭ ‬البطاقات‭ ‬البريدية‭ – ‬مثل‭ ‬مطبوعات‭ ‬هوكوساي‭ ‬الواقعية‭ – ‬كما‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭ ‬شيء‭ ‬هنا‭ ‬منذ‭ ‬قرون‭. ‬ففي‭ ‬الأجزاء‭ ‬الثلجية‭ ‬الخلابة،‭ ‬تكون‭ ‬الأجواء‭ ‬ثلجية‭ – ‬ناقص‭ ‬بضع‭ ‬نقاط‭ ‬على‭ ‬مقياس‭ ‬الحرارة،‭ ‬وربما‭ ‬بأرقام‭ ‬مضاعفة‭ – ‬ولكن‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭: ‬يعرف‭ ‬اليابانيون‭ ‬كيف‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬التجميد‭. ‬والأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬أقسى‭ ‬مناطقها،‭ ‬فإنهم‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬يقدرون‭ ‬البرد‭ – ‬حيث‭ ‬يعلمون‭ ‬أنه‭ ‬بدون‭ ‬البرد،‭ ‬لن‭ ‬يشعرون‭ ‬بالدفء‭. ‬

GettyImages-1162354704

كان‭ ‬الهواء‭ ‬هشًا‭ ‬عندما‭ ‬هبطت‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬اليابانية‭ ‬قبل‭ ‬يومين‭ ‬من‭ ‬مقابلة‭ ‬تلك‭ ‬القرود‭. ‬وقد‭ ‬كنت‭ ‬من‭ ‬المخضرمين‭ ‬في‭ ‬طوكيو‭ ‬وسقطت‭ ‬في‭ ‬قبضتها‭ ‬النيونية‭ ‬المحمومة‭ ‬مثلما‭ ‬يقع‭ ‬أحدهم‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬صديق‭ ‬قديم‭. ‬كانت‭ ‬الأمطار‭ ‬غزيرة‭ ‬وكانت‭ ‬مدة‭ ‬48‭ ‬ساعة‭ ‬كافية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬لزيارة‭ ‬الأجزاء‭ ‬التي‭ ‬أحببتها‭ ‬كمقيم‭: ‬التقاطع‭ ‬الساحق‭ ‬في‭ ‬شيبويا‭ ‬وبرج‭ ‬طوكيو‭ ‬سكاي‭ ‬تري‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬أملكه‭ – ‬فبعد‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬هنا‭ ‬للانبهار‭ ‬ولكن‭ ‬لتذوق‭ ‬الشتاء‭ ‬الياباني‭ ‬الحقيقي‭.‬

عبرت‭ ‬رحلتي‭ ‬إلى‭ ‬الشمال‭ ‬الغربي‭ ‬تحولًا‭ ‬جذريًا‭ ‬في‭ ‬المناخ،‭ ‬حيث‭ ‬انطلق‭ ‬القطار‭ ‬كالطلقة‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬طوكيو‭ ‬الساعة‭ ‬7.52‭ ‬صباحًا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد‭ ‬تحت‭ ‬ضباب‭ ‬رمادي،‭ ‬وانطلق‭ ‬عبر‭ ‬الضواحي‭ ‬المربعة‭ ‬التي‭ ‬تذوب‭ ‬في‭ ‬الحقول‭ ‬المفتوحة‭ ‬المغطاة‭ ‬بالثلوج‭. ‬كانت‭ ‬طوكيو‭ ‬شديدة‭ ‬البرودة؛‭ ‬وعندما‭ ‬خرجت‭ ‬لاستقلال‭ ‬حافلة‭ ‬في‭ ‬ناغانو‭ ‬بعد‭ ‬ساعة‭ ‬ونصف،‭ ‬كانت‭ ‬رقاقات‭ ‬الثلج‭ ‬ترقص‭ ‬في‭ ‬الهواء‭. ‬وبحلول‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬وصلت‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬جيغوكوداني‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬الظهر،‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬صعدت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬800‭ ‬متر‭ ‬وكانت‭ ‬الأرض‭ ‬مغطاة‭ ‬بالثلوج‭ ‬البيضاء‭. ‬تدلت‭ ‬الكتل‭ ‬الجليدية‭ ‬المدببة‭ ‬فوق‭ ‬المنازل‭ ‬القديمة‭ ‬عند‭ ‬بوابة‭ ‬مدخل‭ ‬الحديقة‭. ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬مسيرة‭ ‬لمدة‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬الزلق‭ ‬اللامع‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬القرود‭. ‬كان‭ ‬الجو‭ ‬باردًا،‭ ‬لكني‭ ‬شعرت‭ ‬بتوهج‭ ‬دافئ‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬رأيت‭ ‬فيها‭ ‬المخلوقات‭ ‬الرقيقة‭ ‬الرائعة‭ ‬تنهمر‭ ‬في‭ ‬حمامات‭ ‬أونسن‭. ‬

إن‭ ‬أونسن،‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬لا‭ ‬تعرف،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬طقوس‭ ‬يابانية‭ ‬للبشر‭. ‬ويمكن‭ ‬للأجانب‭ ‬أن‭ ‬يشعروا‭ ‬بالقلق‭ ‬إزاء‭ ‬آداب‭ ‬السلوك‭ ‬المعقدة‭ ‬‭- ‬والعُري‭ ‬المحرج‭ (‬يتم‭ ‬دخول‭ ‬الينابيع‭ ‬الحارة‭ ‬بشكل‭ ‬صارم‭ ‬دون‭ ‬ملابس‭ ‬مع‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭). ‬لكن‭ ‬جرِّب‭ ‬الغوص‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء،‭ ‬وستتحول‭ ‬حياتك‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭: ‬فالهواء‭ ‬البارد‭ ‬يبرد‭ ‬رقبتك‭ ‬مع‭ ‬التدليل‭ ‬والمياه‭ ‬الغنية‭ ‬بالمعادن‭ ‬لتهدئة‭ ‬أطرافك‭ – ‬وهي‭ ‬فرصة‭ ‬رائعة‭ ‬لتذوق‭ ‬التناقضات‭ ‬المحفزة‭ ‬للطبيعة‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬حالاتها‭. ‬

كان‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬الينابيع‭ ‬الساخنة‭ ‬الحارة‭ ‬في‭ ‬هوتاكاسو‭ ‬سانجيتسو‭ ‬ريوكان‭ ‬مثل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬عناق‭ ‬كبير‭. ‬نقلتني‭ ‬حافلة‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬طرق‭ ‬ثلجية‭ ‬من‭ ‬ناغانو‭ ‬إلى‭ ‬بلدة‭ ‬هيرايو‭ ‬أونسن‭ ‬النائية،‭ ‬والتي‭ ‬نقلني‭ ‬منها‭ ‬سائق‭ ‬سيارة‭ ‬أجرة‭ ‬صامت‭ ‬إلى‭ ‬التلال‭. ‬ما‭ ‬إن‭ ‬دخلت‭ ‬المياه‭ ‬المغطاة‭ ‬بالبخار،‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬صحبة‭ ‬أخرى‭ ‬سوى‭ ‬اثنتين‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬العجائز‭ ‬الهامسات،‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الرحلة‭ ‬كانت‭ ‬تستحق‭ ‬العناء‭. ‬وخارج‭ ‬حوض‭ ‬السباحة‭ ‬المرصوف‭ ‬بالحصى،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬بانوراما‭ ‬من‭ ‬الأشجار‭ ‬وتجعد‭ ‬من‭ ‬سلاسل‭ ‬الجبال‭ ‬البيضاء‭: ‬جبال‭ ‬الألب‭ ‬اليابانية‭. ‬وهذه‭ ‬الطيات‭ ‬من‭ ‬الصخور‭ ‬الجليدية،‭ ‬الممتدة‭ ‬بطول‭ ‬200‭ ‬كم‭ ‬وارتفاع‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬3000‭ ‬متر،‭ ‬تحمل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الكنوز‭. ‬

عندما‭ ‬خرجت‭ ‬أخيرًا‭ ‬من‭ ‬أونسن‭ ‬بلون‭ ‬وردي‭ ‬كالخوخ،‭ ‬ارتديت‭ ‬رداء‭ ‬يوكاتا‭ ‬والنعال‭ ‬ودخلت‭ ‬غرفة‭ ‬نومي‭ ‬المبطنة‭ ‬بحصير‭ ‬التاتامي‭. ‬لم‭ ‬يمضي‭ ‬وقتًا‭ ‬طويلًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬سمعت‭ ‬خبطة‭ ‬على‭ ‬بابي‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬امرأة‭ ‬تبتسم‭ ‬بينما‭ ‬تمسك‭ ‬بصينية‭ ‬مليئة‭ ‬بما‭ ‬لذ‭ ‬وطاب‭. ‬وجهتها‭ ‬للداخل‭ ‬حيث‭ ‬وضعت‭ ‬مأدبة‭ ‬خاصة‭ ‬متقنة‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬منخفضة‭: ‬أطباق‭ ‬الساشيمي؛‭ ‬والمخللات؛‭ ‬ولحم‭ ‬البقر‭ ‬الأحمر‭ ‬المشوب‭ ‬بالدهون‭ ‬لتسويته‭ ‬أثناء‭ ‬تناول‭ ‬الطعام‭ ‬مباشرةً؛‭ ‬ووعاء‭ ‬مسفوع‭ ‬باللهب‭ ‬مليء‭ ‬بالأرز‭ ‬مع‭ ‬الفطر‭ ‬المطهو‭ ‬على‭ ‬نار‭ ‬هادئة‭. ‬وجالسًا‭ ‬على‭ ‬وسادة‭ ‬فوق‭ ‬الأرضية‭ ‬من‭ ‬حصير‭ ‬التاتامي،‭ ‬قمت‭ ‬بمسح‭ ‬الوليمة‭ ‬أمامي،‭ ‬تاركًا‭ ‬إياها‭ ‬تقوم‭ ‬بتفسير‭ ‬كل‭ ‬طبق‭ ‬بعناية‭ (‬بتمثيل‭ ‬صامت‭ – ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لغتها‭ ‬الإنجليزية‭ ‬رائعة،‭ ‬وكانت‭ ‬لغتي‭ ‬اليابانية‭ ‬أسوأ‭). ‬ثم‭ ‬انحنت‭ ‬وخرجت‭ ‬من‭ ‬الباب‭ ‬وتركتني‭ ‬لألتهم‭ ‬وجبتي‭ ‬الذواقة‭ ‬بهدوء‭ (‬والأفضل،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬زلت‭ ‬مرتاحًا‭ ‬في‭ ‬ثوبي‭). ‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬اليابان‭ ‬تنجح‭ ‬بجدارة‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬كل‭ ‬وسائل‭ ‬الراحة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتدفئة‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬قضاء‭ ‬رحلتي‭ ‬بالكامل‭ ‬محاطًا‭ ‬براحة‭ ‬دفئي‭. ‬وقد‭ ‬قضيت‭ ‬الأيام‭ ‬التالية‭ ‬في‭ ‬استكشاف‭ ‬جبال‭ ‬الألب‭: ‬تاكاياما،‭ ‬وهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬مدن‭ ‬البلاد،‭ ‬بمبانيها‭ ‬الخشبية‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬المقاهي‭ ‬الرائعة‭ ‬ومصانع‭ ‬الجعة‭ ‬العطرة؛‭ ‬وأوغيماتشي،‭ ‬الممتلئة‭ ‬بمزارع‭ ‬جاسشو‭-‬زوكوري‭ ‬القديمة‭ – ‬مع‭ ‬الهياكل‭ ‬الجليدية‭ ‬المدببة‭ ‬القوية‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬أُخذت‭ ‬من‭ ‬سويسرا‭. ‬ثم‭ ‬ماتسوموتو،‭ ‬مع‭ ‬القلعة‭ ‬القديمة‭ ‬الكبرى‭ ‬ومحلات‭ ‬معكرونة‭ ‬سوبا‭. ‬مر‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬الثلج‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لزيارة‭ ‬هوكايدو،‭ ‬وهي‭ ‬الجزيرة‭ ‬الشمالية‭ ‬في‭ ‬اليابان،‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬رحلة‭ ‬مدتها‭ ‬90‭ ‬دقيقة‭. ‬كنت‭ ‬آمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬قمة‭ ‬الشتاء‭ ‬المثالية‭ (‬المغطاة‭ ‬بالثلوج‭) ‬في‭ ‬رحلتي‭.‬

وإذا‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬اعتقدت‭ ‬أن‭ ‬الطقس‭ ‬بارد‭ ‬في‭ ‬جيغوكوداني،‭ ‬فإنني‭ ‬لم‭ ‬أشعر‭ ‬بأي‭ ‬شيء‭ ‬بعد‭. ‬فعندما‭ ‬خرجت‭ ‬إلى‭ ‬وسط‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬سابورو،‭ ‬عاصمة‭ ‬هوكايدو،‭ ‬واجهت‭ ‬مستوىً‭ ‬جديدًا‭ ‬من‭ ‬التجميد‭ – ‬خارقًا‭ ‬ويخطف‭ ‬الأنفاس‭. ‬تحت‭ ‬سماء‭ ‬زرقاء‭ ‬مذهلة،‭ ‬كانت‭ ‬الشوارع‭ ‬الطويلة‭ ‬المستقيمة‭ ‬تشع‭ ‬من‭ ‬المحطة‭ ‬المركزية،‭ ‬وهي‭ ‬فارغة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬نشاط‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭: ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الممرات‭ ‬المترابطة‭ ‬تحت‭ ‬سطح‭ ‬الأرض‭ ‬تنقل‭ ‬العمال‭ ‬الملتحفين‭ ‬بالأوشحة‭ ‬والمتسوقين‭ ‬المقنعين‭ ‬عبر‭ ‬وسط‭ ‬المدينة‭. ‬وقد‭ ‬ظهروا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬عندما‭ ‬وصلوا‭ ‬إلى‭ ‬محطتهم‭ ‬المرجوة،‭ ‬مثلما‭ ‬تخترق‭ ‬الدلافين‭ ‬سطح‭ ‬الماء‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الهواء،‭ ‬ويقفزون‭ ‬عبر‭ ‬تقاطعات‭ ‬الرياح‭ ‬التي‭ ‬تكتسحها‭ ‬كتل‭ ‬المباني‭ ‬الفضية‭ ‬الشاهقة‭. ‬

قد‭ ‬يصر‭ ‬هؤلاء‭ ‬السكان‭ ‬المحليون،‭ ‬الذين‭ ‬تصلبوا‭ ‬من‭ ‬البرد،‭ ‬على‭ ‬أسنانهم‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الأيام،‭ ‬ولكنهم‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬يشتكون‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬سكان‭ ‬طوكيو‭ ‬يشبهون‭ ‬سكان‭ ‬لندن،‭ ‬مع‭ ‬تجولهم‭ ‬في‭ ‬البرد‭ ‬الخفيف‭ ‬مع‭ ‬المظلات‭ ‬المهتزة‭ ‬خلال‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء،‭ ‬فإن‭ ‬سكان‭ ‬سابورو‭ ‬يشبهون‭ ‬سكان‭ ‬الدول‭ ‬الاسكندنافية‭ ‬الهائلة‭ – ‬شجعان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬البرد‭ ‬القارص‭ ‬والعظيم‭. ‬

في‭ ‬ذلك‭ ‬المساء،‭ ‬تجولت‭ ‬جنوبًا‭ ‬من‭ ‬فندقي‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الشوارع‭ ‬البيضاء‭ ‬إلى‭ ‬سوسكينو،‭ ‬وهي‭ ‬منطقة‭ ‬الحياة‭ ‬الليلية‭ ‬في‭ ‬سابورو‭. ‬مع‭ ‬بطن‭ ‬تهدر‭ ‬من‭ ‬الجوع،‭ ‬ارتجفت‭ ‬بينما‭ ‬تجاوزت‭ ‬حانات‭ ‬إيزاكايا‭ ‬الشبيهة‭ ‬بالمآرب‭ ‬والأزقة‭ ‬المضاءة‭ ‬بالفوانيس‭ ‬تصطف‭ ‬على‭ ‬جانبيها‭ ‬متاجر‭ ‬رامين‭ ‬صغيرة،‭ ‬مليئة‭ ‬بالطلاب‭ ‬الضاحكين‭ ‬وهم‭ ‬يلتهمون‭ ‬صحنًا‭ ‬غنيًا‭ ‬بالميسو‭. ‬كنت‭ ‬أتوق‭ ‬لدخول‭ ‬أحضان‭ ‬أحد‭ ‬المتاجر،‭ ‬لكنني‭ ‬صمدت‭: ‬فاتباعًا‭ ‬لنصيحة‭ ‬من‭ ‬صديق‭ ‬ياباني،‭ ‬كنت‭ ‬متجهًا‭ ‬إلى‭ ‬جينغيسوكان‭ – ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬حفلات‭ ‬الشواء‭ ‬المنغولية‭ ‬المخصصة،‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬ميزات‭ ‬المدينة‭. ‬

وقد‭ ‬وجدت‭ ‬المطعم‭ – ‬والطابور‭. ‬كانت‭ ‬الأجواء‭ ‬متجمدة‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وقف‭ ‬صف‭ ‬من‭ ‬الصامدين‭ ‬الشجعان‭ ‬دون‭ ‬رادع‭ ‬متسكعين‭ ‬في‭ ‬زقاق‭ ‬مبطّن‭ ‬بالجليد‭ ‬خارج‭ ‬مطعم‭ ‬داروما‭ ‬المفضل‭. ‬انضممت‭ ‬إليهم‭ ‬ومرت‭ ‬الدقائق‭ ‬ببطء‭ ‬حتى‭ ‬فقدت‭ ‬الشعور‭ ‬في‭ ‬أطرافي،‭ ‬جميعها‭. ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬فُتح‭ ‬الباب‭ ‬أخيرًا‭ ‬وجاء‭ ‬دوري،‭ ‬بعد‭ ‬ساعة،‭ ‬تمت‭ ‬مكافأتي‭ ‬لإصراري‭. ‬حيث‭ ‬جلس‭ ‬الأزواج‭ ‬الذين‭ ‬يتجاذبون‭ ‬أطراف‭ ‬الحديث‭ ‬فوق‭ ‬كراسي‭ ‬طويلة‭ ‬حول‭ ‬طاولة‭ ‬خشبية‭ ‬بيضاوية،‭ ‬بينما‭ ‬يشوون‭ ‬لحم‭ ‬الغنم‭ ‬المطعم‭ ‬بالدهون‭ ‬على‭ ‬ألواح‭ ‬تسخين‭ ‬مقببة‭ ‬يؤججها‭ ‬فحم‭ ‬متوهج‭. ‬دخلت‭ ‬بين‭ ‬الحشود‭ ‬وطلبت‭ ‬وليمة‭ ‬دافئة‭ ‬مع‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الأرز‭ ‬الهش‭ ‬والكيمتشي‭ ‬وصلصة‭ ‬الثوم‭ ‬والسمسم‭.  ‬أثناء‭ ‬قيامي‭ ‬بشواء‭ ‬قطع‭ ‬اللحم،‭ ‬كانت‭ ‬الدهون‭ ‬تتساقط‭ ‬بشكل‭ ‬رائع‭ ‬أسفل‭ ‬الشواية‭ ‬لتلين‭ ‬البصل‭ ‬الذهبي‭. ‬حينئذٍ‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬نسيت‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬عن‭ ‬البرد‭ ‬في‭ ‬الخارج‭. ‬

GettyImages-682822078

سابورو‭ ‬وسحرها‭ ‬يتكشفان‭ ‬ببطء،‭ ‬مثل‭ ‬ذوبان‭ ‬الجليد‭ ‬التدريجي‭ ‬في‭ ‬الربيع‭. ‬يمكنك‭ ‬قضاء‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬في‭ ‬بحيرة‭ ‬شيكوتسو‭ ‬المجمدة،‭ ‬والتمتع‭ ‬بعرض‭ ‬الشتاء‭ ‬المضاء؛‭ ‬والاستمتاع‭ ‬أو‭ ‬الانغماس‭ ‬في‭ ‬ينبوع‭ ‬حار‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬نوبوريبيتسو،‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬رحلة‭ ‬بالقطار؛‭ ‬أو‭ ‬مشاهدة‭ ‬طيور‭ ‬الكركي‭ ‬النادرة‭ ‬ذات‭ ‬التيجان‭ ‬الحمراء‭ ‬ترقص‭ ‬عبر‭ ‬حقول‭ ‬الجليد‭.  ‬أو‭ ‬يمكنك‭ ‬ببساطة‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬وسط‭ ‬المدينة،‭ ‬والمشي‭ ‬عبر‭ ‬سوق‭ ‬السمك،‭ ‬المليء‭ ‬بسرطان‭ ‬البحر‭ ‬الشائك؛‭ ‬إنها‭ ‬متعة‭ ‬لتناول‭ ‬عشاء‭ ‬من‭ ‬اللحوم‭ ‬الموسمية‭ ‬المثالية‭ ‬تمامًا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مطعم‭ ‬بدون‭ ‬زخرفة‭. ‬

يتدفق‭ ‬السياح‭ ‬اليابانيون‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬فبراير‭. ‬بعضهم‭ ‬يقعون‭ ‬في‭ ‬غرام‭ ‬قفزة‭ ‬التزلج‭ ‬الشاهقة،‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬أولمبياد‭ ‬1972؛‭ ‬بينما‭ ‬يستمتع‭ ‬الآخرون‭ ‬بارتشاف‭ ‬الخمر‭ ‬المزبد‭ ‬في‭ ‬مصنع‭ ‬الجعة‭ ‬سابورو‭. ‬ولكن‭ ‬جميعهم‭ ‬هنا‭ ‬لمشاهدة‭ ‬فنانين‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬يزينون‭ ‬منحوتات‭ ‬جليدية‭ ‬شاسعة‭ ‬بينما‭ ‬يتنافسون‭ ‬على‭ ‬المجد‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬الثلوج‭ ‬السنوي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المدينة،‭ ‬وهو‭ ‬الحدث‭ ‬الأكبر‭ ‬والأكثر‭ ‬ازدحامًا‭ ‬في‭ ‬السنة‭. ‬في‭ ‬رحلتي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬رسميًا‭ ‬بعد،‭ ‬لكن‭ ‬حتى‭ ‬أكبر‭ ‬المنحدرات‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬إخفاء‭ ‬روائع‭ ‬متقنة‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬شريط‭ ‬أودوري‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬سابورو‭. ‬حيث‭ ‬بزغت‭ ‬معابد‭ ‬رائعة‭ ‬بالحجم‭ ‬الطبيعي‭ ‬ومنحوتات‭ ‬هائلة‭ ‬لمتسابقين‭ ‬بالخيول‭ ‬واستعراضات‭ ‬نجوم‭ ‬البوب‭ ‬الياباني،‭ ‬كلها‭ ‬فخورة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المزيج‭ ‬الجليدي‭. ‬

وفي‭ ‬آخر‭ ‬يوم‭ ‬لي،‭ ‬قضيت‭ ‬فترة‭ ‬بعد‭ ‬الظهر‭ ‬في‭ ‬الحديقة‭. ‬لم‭ ‬أتجول،‭ ‬كما‭ ‬كنت‭ ‬لأفعل‭ ‬في‭ ‬الربيع‭ ‬أو‭ ‬الخريف‭ – ‬لكني‭ ‬تزلجت‭ ‬عبر‭ ‬البلاد‭ ‬متجاوزًا‭ ‬أشجار‭ ‬الصنوبر‭ ‬الفضية‭ ‬اللامعة‭ ‬فوق‭ ‬الانجرافات‭ ‬الجبلية‭ ‬اللطيفة‭. ‬فمع‭ ‬كون‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬بلد‭ ‬الثلوج،‭ ‬يمكن‭ ‬للمرء‭ ‬استئجار‭ ‬زلاجات‭ ‬أو‭ ‬مزلجة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬أحذية‭ ‬تزلج‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬مويرينوما‭ ‬لمدة‭ ‬ثلاث‭ ‬ساعات‭. ‬لم‭ ‬أستمر‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭: ‬فلم‭ ‬تمض‭ ‬ساعتان‭ ‬وكانت‭ ‬الرياح‭ ‬قد‭ ‬سفعت‭ ‬وجهي‭ ‬وفقدت‭ ‬الشعور‭ ‬بأصابع‭ ‬قدمي‭. ‬وبعد‭ ‬بضع‭ ‬سقطات‭ ‬زلقة،‭ ‬شعرت‭ ‬بأقصى‭ ‬برودة‭ ‬اختبرتها‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬وكنت‭ ‬بحاجة‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬الهواء‭ ‬البارد‭ ‬بسرعة‭. ‬لذلك،‭ ‬عندما‭ ‬نزل‭ ‬الغسق‭ ‬على‭ ‬المدينة،‭ ‬قفزت‭ ‬في‭ ‬سيارة‭ ‬أجرة‭ ‬إلى‭ ‬ساسكينو‭ ‬الصاخبة‭ ‬النابضة‭ ‬بالحياة‭ ‬وركبت‭ ‬المصعد‭ ‬إلى‭ ‬نيكا‭ ‬بار‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬الثاني،‭ ‬مع‭ ‬لإطلالة‭ ‬على‭ ‬تقاطع‭ ‬طرق‭ ‬صاخب‭. ‬

كانت‭ ‬جدران‭ ‬البار‭ ‬مغطاة‭ ‬بأخشاب‭ ‬داكنة‭ ‬مصقولة‭ ‬وجلود‭ ‬غنية‭ ‬محاطة‭ ‬بزجاجات‭ ‬لامعة‭. ‬وكان‭ ‬الموظفون‭ ‬يتبادلون‭ ‬أطراف‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬الزوايا‭. ‬تصفحت‭ ‬القائمة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسكب‭ ‬نادل‭ ‬يرتدي‭ ‬بذلة‭ ‬مشروبي‭ ‬المفضل‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ذهبًا‭ ‬سائلًا‭. ‬ومن‭ ‬النافذة،‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬بالأسفل،‭ ‬اندفع‭ ‬الركاب‭ ‬المتجمعين‭ ‬بين‭ ‬الثلج‭ ‬المتساقط‭. ‬ومستقرًا‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬مريح،‭ ‬شعرت‭ ‬بالدم‭ ‬يتدفق‭ ‬إلى‭ ‬وجنتيّ‭ ‬والدفء‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬أطرافي‭. ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬ظهر‭ ‬الشراب‭ ‬أمامي‭ ‬ورفعت‭ ‬الكأس‭ ‬إلى‭ ‬شفتي،‭ ‬وأخذت‭ ‬رشفة‭ ‬طويلة‭ ‬بطيئة‭. ‬ومستطعمًا‭ ‬إياه‭ ‬عبر‭ ‬لساني،‭ ‬استمتعت‭ ‬بلذعته‭ ‬الشديدة‭ – ‬مع‭ ‬لمسة‭ ‬فاترة‭ ‬من‭ ‬الجليد‭. ‬رجفةٌ‭ ‬جيدة‭: ‬جوهر‭ ‬الشتاء‭ ‬في‭ ‬اليابان‭.‬

أتفكر‭ ‬في‭ ‬السفر؟‭ ‬للحجز‭ ‬في‭ ‬رحلة،‭ ‬يُرجى‭ ‬الاتصال‭ ‬بالرقم‭ ‬800‭ ‬DNATA‭ ‬أو‭ ‬زيارة‭ ‬الموقع‭ ‬dnatatravel‭.‬com